السيد كمال الحيدري
275
أصول التفسير والتأويل
فبهذه الوجوه يظهر أنّه تعالى يثبت في كلامه قسماً من الرؤية والمشاهدة وراء الرؤية البصرية الحسّية ، وهى نوع شعور في الإنسان ، حيث يشعر بالشئ بنفسه من غير استعمال آلة حسّية أو فكرية ، وأنّ للإنسان شعوراً بربّه غير ما يعتقد بوجوده من طريق الفكر واستخدام الدليل ، بل يجده وجداناً من غير أن يحجبه عنه حاجب ، ولا يجرّه إلى الغفلة عنه إلّا اشتغاله بنفسه وبمعاصيه التي اكتسبها ، وهى مع ذلك غفلة عن أمر موجود مشهود لا زوال علم بالكلّية ومن أصله ، فليس في كلامه تعالى ما يشعر بذلك ، بل عبّر عن هذا الجهل بالغفلة وهى زوال العلم بالعلم لا زوال أصل العلم . والذي ينجلى من كلامه تعالى أنّ هذا العلم المسمّى بالرؤية واللقاء ، إنّما يتمّ للصالحين من عباد الله يوم القيامة كما يدلّ عليه ظاهر قوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ( القيامة : 22 - 23 ) فهناك موطن التشرّف بهذا التشريف ، وأمّا في هذه الدنيا والإنسان مشتغل ببدنه ومنغمر في غمرات حوائجه الطبيعية ، وهو سالك لطريق اللقاء والعلم الضروري بآيات ربّه ، كادح إلى ربّه كدحاً ليلاقيه فهو بعدُ في الطريق ، فإنّ هذا العلم لن يتمّ له حتّى يلاقى ربّه ، قال تعالى : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ ( الانشقاق : 6 ) وفى معناه آيات كثيرة أُخرى تدلّ على أنّه تعالى إليه المرجع والمصير والمنتهى وإليه يرجعون وإليه يقلبون . الرؤية القلبية في حديث أهل البيت في « المعاني » بإسناده عن هشام قال : « كنت عند الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام إذ دخل عليه معاوية بن وهب وعبد الملك بن أعين ، فقال له معاوية بن وهب : يا ابن رسول الله ما تقول في الخبر المروىّ أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله رأى ربّه ؟ على أي صورة رآه ؟ وفى الخبر الذي رواه أنّ